المقابلات العامة

الكاتب:

قَدَاسَةُ البَابَا فرنسيس

المصدر:

وكالة زينيت العالميّة

التّاريخ:

الخميس 23 نيسان 2015

الأسرة: رجل وامرأة - الجزء الثاني: المُقَابَلَةُ العَامَّةُ 22 أبريل / نيسان 2015
لا يحسن أن يكون الإنسان وحده – قال الله – فلأصنعنَّ له عونًا يناسبه
لا يحسن أن يكون الإنسان وحده – قال الله – فلأصنعنَّ له عونًا يناسبه

الأخوات والإخوة الأحباء، صباح الخير!


في التعليم السابق عن الأسرة توقفت عند القصة الأولى لخلق الكائن البشري، في الإصحاح الأول من سفر التكوين، حيث كُتب: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنسانَ على صُورَتِه على صُورَةِ اللهِ خَلَقَه ذَكَرًا وأُنْثى خَلَقَهم" (1، 27).

أودّ اليوم تكملة هذه التأملات انطلاقا من القصة الأخرى، والتي نجدها في الإصحاح الثاني. نقرأ فيها أن الرب، بعد أن خلق السماء والأرض، "جَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً" (2، 7). إنه قمة الخليقة. ولكنه يفتقر لشيء ما: فوضع اللهُ الإنسانَ في فردوس بديع كي يحرثه ويحرسه (را. 2، 15).

يقترحُ الروح القدس، الذي ألهم كل الكتاب المقدس، صورة الرجل بمفرده للحظة – في حالة عوز لشيء ما-، دون المرأة. ويقترح فكر الله، بل بالأحرى مشاعر الله، الذي كان ينظر إليه، وكان يراقب آدم وحيدا في الفردوس: إنه حر، وسيد .... ولكنه وحيدا. فرأى الله أن هذا "ليس جَيِّداً": إنه كغياب للشركة، وللشراكة، وللتكاملية. "ليس جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ " – يقول الله – ويضيف "فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ" (2، 18).

ومن ثمّ يقدّم اللهُ للإنسانَ جميعَ الحيوانات: فيعطي الإنسانُ لكلِّ واحد منهم اسمَه – وفي هذا تتجلى صورة أخرى من صور سيادة الإنسان على الخليقة – ولكنه لم يجد في أيٍّ من هذه الحيوانات شبيها له. وكان يشعر بالوحدة. لذا عندما يقدّم اللهُ المرأةَ أخيرًا يدركُ الرجلُ بفرحٍ أن في هذه الخليقة، وفيها فقط، جزء منه: "هَذِهِ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي" (2، 32). قد وجد أخيرا انعكاسا له وتبادلية. وعندما يكون شخصا وحيدا – سأعطي مثلا توضيحيا – ويريد أن يصافح أحدا، لابد له أن يجد شخصا أمامه: فمَن يقدم يده للمصافحة ولا يجد أحدًا يبقى بلا مصافحة .... تنقصه التبادلية. هكذا كان الانسان، كان ينقصه أمر ما ليصل إلى كمال ذاته، كانت تنقصه التبادلية. ليست المرأة "استنساخا" من الرجل؛ وإنما قد جاءت مباشرة من عمل الله الخالق. ولا تعبّر صورة "الضلع" إطلاقا عن دونية أو تبعية ما، بل عن أن الرجل والمرأة، على العكس، قد خُلقا من المادة نفسها وأنهما متكاملان ولديهما تلك التبادلية. وحقيقة أن الله قد خلق المرأة – دائما بحسب المثل الكتابي- أثناء نوم الرجل يوضح أنها ليست أبدا مخلوقة من الرجل وإنما فقط من الله. أقترحُ هنا شيئا أخر: كي يجد الرجلُ المرأةَ – ويمكننا أن نقول كي يجد الحب - عليه أولا أن يحلُم بها ومن ثمَّ يجدها.

إن ثقة الله في الرجلِ والمرأة، اللذين قد استأمنهما على الأرض، هي ثقة وافرة ومباشرة وكاملة. الله يثق فيهما. ولكن بعد ذلك أدخل الشريرُ في أذهانهما الشكَّ والارتياب وعدم الثقة. وفي النهاية تم عصيان الوصيّة التي كانت تحميهما. وسقطا في جنون العظمة التي تلوث كل شيء وتهدم التناغم. ونحن أيضًا نشعر بهذا في داخلنا مرات عديدة، جميعنا.

تلد الخطيئةٌ الريبةَ والانقسامَ بين الرجل والمرأة. وسوف يُهَدِّدُ علاقَتَهُما ألفُ شكلٍ من أشكال التردّد والإكراه والإغراءات الخادعة والعجرفة المُهينة، وصولا إلى الاشكال الأكثر مأساوية وعنفا. والتاريخ يشهد على هذا. لنفكر، على سبيل المثال، في التجاوزات السلبية للثقافات الأبوية؛ وأشكال عديدة من الاعتداد الذكوري حيث تعتبر المرأة مخلوقا من الدرجة الثانية؛ ولنفكر في استغلال المرأة وتسليع جسدها في الثقافة الحالية وفي وسائل الإعلام. ولكن لنتذكر أيضًا الوباء الأخير، وباء انعدام الثقة والشك وصولا إلى العداوة التي تنتشر في ثقافتنا - وخاصة تلك التي تنطلق من انعدام الثقة المُبَرَّر في المرأة – تجاه عهد بين رجل وامرأة، يكون في الوقت عينه، قادرا على صقل ألفة الشركة بينهما وعلى حماية كرامة الاختلاف.

فإذ لم نجد باكورة تعاطف مع هذا العهد، قادرة على قيادة الأجيال الجديدة بعيدا عن انعدام الثقة واللامبالاة، سوف يأتي الأولاد إلى العالم، وهم فياقتلاع متزايد منه منذ رحم أمهاتهم. إن الاستخفاف بالعهد الثابت والمنفتح على الإنجاب بين الرجل والمرأة هو خسارة للجميع. علينا أن نعيد الاعتبار للزواج وللعائلة! يحكي الكتاب المقدس أمرًأ رائعا: يقابل الرجلُ المرأةَ، فيلتقيا لكن على الرجل أن يترك أمرا ما كي يجدها كليّة. لهذا يترك الرجل أباه وأمه كي يذهب لها. ما أجمل هذا! إنه يعني البدء في طريق جديد. سيكون الرجل كل شيء بالنسبة للمرأة وستكون المرأة كل شيء بالنسبة للرجل.

إن حماية هذا العهد بين الرجل والمرأة - وإن كانوا خطأة ومجروحين، مضطربين ومهانين، منعدمين الثقة ومرتابين - هي رسالة مُلزِمَة وأخّاذة لنا نحن المؤمنين في الظرف الحالي. وتُسلّمنا قصة الخلق والخطيئة، نفسها، في نهايتها، أيقونة في غاية الجمال عنها: "وصَنعً الرَّبُّ الإِلهُ لاَدَمَ وامرَأَتِه أَقمِصةً مِن جِلْدٍ وأَلبَسَهما" (تك 3، 21). إنها صورة عطف تجاه هذين الزوجين الخاطئين، صورة تتركنا في ذهول كبير: عطف الله تجاه الرجل والمرأة. إنها صورة حماية أبوية للزوجين البشريين. الله بذاته يحمي ويحرس أعظم ما أبدع.

***************

كلمات قداسة البابا للأشخاص الناطقين باللغة العربية:

أتوجه بتحية قلبية للمؤمنين الناطقين باللغة العربية، وخاصة القادمين من الأردن ‏‏ومن ‏ ‏الشرق الأوسط. يشهد تاريخ الخلاص على أن الأمانة لوصايا الله تقود الرجل والمرأة إلى عيش علاقة متناغمة ومثمرة ومفرحة لكليهما، بينما عصيانه يقود إلى الانشقاق والشك والتسلط والاستغلال والتنافسية. لنطلب من الله أن يساعد الجميع على إعادة اكتشاف عظمة العهد بين الرجل والمرأة. ليبارككم الرب جميعا، ويحرسكم من الشرير‏‏‏!‏

***************

استكمالا لتعاليمه السابقة عن الرجل والمرأة، توقف قداسة البابا اليوم عند قصة خلق المرأة (تك 2) ليوضح أن الإنسان، وبرغم وجوده في الفردوس، لم يكن سعيدا لأنه لم يجد بين كل المخلوقات شبيها له. وقد رأى الله أنه "ليس جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ". فخلق له المرأة من "ضلعه" لا لتكون "استنساخا" له؛ بل تأكيدا على أنهما متساويان ومتكاملان. لكن سفر التكوين يروي أيضًا أن الشرير قد أدخل في أذهانهما الشكَّ وقادهما إلى عصيان وصيّة الله. فكانت ثمرة الخطيئة هي الانقسام بين الرجل والمرأة. وتعرض البابا للأشكال المأسوية والتجاوزات الذكورية السلبية، ولاستغلال المرأة وتسليع جسدها في وسائل الإعلام. ثم أكد قداسته أن الاستخفاف بالعهد الثابت والمنفتح على الإنجاب بين الرجل والمرأة هو خسارة جسيمة، ودعا الجميع إلى إعادة الاعتبار للزواج وللعائلة.

***************

© جميع الحقوق محفوظة 2015 - حاضرة الفاتيكان

عدد القراءات: 3435